الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

539

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وقد حكى مما ذكره في « الإحياء » عن أبي بكر الدينوري : أن عبدا أسود قتل جمالا كثيرة بطيب نغمته إذا حداها ، وكانت محملة أحمالا ثقيلة ، فقطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة ، وأنه حدا على جمل غيرها بحضرته ، فهام الجمل وقطع حباله وحصل له ما غيبه عن حسه ، حتى خر لوجهه . فتأثير السماع محسوس ، ومن لم يحركه فهو فاسد المزاج ، بعيد العلاج ، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال . وإذا كانت هذا البهائم تتأثر بالنغمات ، فتأثير النفوس الإنسانية أولى . وقد قال : نعم لولاه ما ذكر العقيق * ولا جابت له الفلوات نوق نعم أسعى إليك على جفونى * تدانى الحي أو بعد الطريق إذا كانت تحن لك المطايا * فما ذا يفعل الصب المشوق فزبدة السماع تلطيف السر ، ومن ثم وضع العارف الكبير سيدي على الوفوى حزبه المشهور على الألحان والأوزان اللطيفة ، تنشيطا لقلوب المريدين وترويحا لأسرار السالكين ، فإن النفوس - كما قدمناه - لها حظ من الألحان ، فإذا قيلت هذه الواردات السنية الفائضة من الموارد النبوية المحمدية بهذه النغمات الفائقة والأوزان الرائقة ، تشربتها العروق ، وأخذ كل عضو نصيبه من ذلك المدد الوفوى المحمدي ، فأثمرت شجرة خطاب الأزل بما سقيته من موارد هذه اللطائف عوارف المعارف . تنبيه : زعم بعضهم أن السماع أدعى للوجد من التلاوة وأظهر تأثيرا . والحجة عن ذلك : أن جلال القرآن لا تحتمله القوى البشرية المحدثة ، ولا تحتمله صفاتها المخلوقة ، ولو كشف للقلوب ذرة من معناه لدهشت وتصدعت وتحيرت ، والألحان مناسبة للطباع بنسبة الحظوظ لا نسبة الحقوق ، والشعر نسبته بنسبة الحظوظ ، فإذا علقت الأشجان والأصوات بما في الأبيات من الإشارات واللطائف ، شاكل بعضها بعضا فكان أقرب إلى الحظوظ وأخف على القلوب بمشاكلة المخلوق . قاله أبو نصر السراج « 1 » .

--> ( 1 ) هو عبد اللّه بن علي الطوسي أبو نصر السراج زاهد صوفي على طريقة السنة . توفى سنة ( 378 ه ) . الأعلام ( 4 / 104 ) ، شذرات الذهب ( 3 / 91 ) ، معجم المطبوعات ( 1017 ) .